ابن يعقوب المغربي
498
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
زيادة في تعريف حاله ، وفي التهويل بعذابه بقوله تعالى : إِنَّهُ كانَ عالِياً " 1 " في ظلمه ( من المسرفين ) في عتوه فكيف حال العذاب الذي يصدر من مثله ؟ ولما كان الأمر الهائل من شأنه عدم الإدراك حقيقة ، أو ادعاء لزم من ذلك أن من شأنه أن يكون مجهولا يسأل عنه ، فبين التهويل والاستفهام ملابسة ، فاستعمل لفظ أحدهما في الآخر مجازا ( و ) ك ( الاستبعاد ) أي : عد الشيء بعيدا ، والفرق بينه وبين الاستبطاء أن الاستبطاء : عد الشيء بطيئا في زمن انتظاره ، وقد يكون محبوبا منتظرا أو الاستبعاد عد الشيء بعيدا حسا أو معنى ، وقد يكون منكرا مكروها غير منتظر أصلا ، وربما يصلح المحل الواحد لهما ولو اختلف مفهومها . والاستبعاد ( نحو ) قوله تعالى أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ " 2 " فإن الاستفهام الحقيقي لا يصح من علام الغيوب مع منافاته للجملة الحالية ، فإن مثل هذا الكلام عرفا إنما يراد به الاستبعاد ، فهو بدليل قرائن الأحوال للاستبعاد لذكراهم ، فكأنه قيل : من أين لهم التذكر والرجوع للحق والحال أنهم جاءهم رسول يعلمون أمانته ، فتولوا وأعرضوا ، بمعنى أن الذكرى بعيدة عن حالهم ، وغاية البعد النفي لذلك فسر تفسيرا معنويا بما يقتضى النفي والإنكار ، بأن قيل كيف يتذكرون ويتعظون ويفون بما وعدوه من الإيمان إن كشف العذاب عنهم وقد جاءهم ما هو أعظم ، وأدخل في وجوب الأذكار من كشف الدخان ، وهو ما ظهر على يد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - من الكتاب المعجز ، وغيره من المعجزات ، فلم يذكروا بل أعرضوا ، وإنما قلنا : تفسيرا معنويا ؛ لأنه تقدم أن أنى إذا كانت بمعنى كيف لم يلها إلا الفعل ، والعلاقة أن المهول به بعيد الإدراك ، فمن شأنه أن يكون مجهولا فيسأل عنه ، وإنما نبهنا على العلاقة في استعمال الاستفهام لغيره ، لاستبعادهم إياه - فليتأمل .
--> ( 1 ) الدخان : 31 . ( 2 ) الدخان : 13 ، 14 .